Print this page

في عرض "حدّث إدريس قال" للطاهر العيسي بن عربي:  حكايات من "النص المحذوف"... وغياب يفيض بالحضور

كثيرا ما يكون المسرح عنوان الوفاء والعطاء في

تكريم أسماء سكبت على الركح الدمع والعطر والعرق .. لكنه غالبا ما يتورط  في شكلين متناقضين، فإما النوستالجيا المبالغ فيها التي تحول  الفنان إلى متحف من الورق المقوى، وإما  الواقعية البراغماتية  التي تنسف الصلة بالماضي في تنكر خفي لأثر السابقين والمؤسسين. في حين اختار العرض الأدائي "حدث إدريس قال" في إدارة  فنية للمخرج  الطاهر عيسى بن العربي طريقا ثالثا،  طريقا وعرا  ونبيلا في الآن نفسه. إنه طريق التكريم  الذي يليق بمحمد إدريس دون حبس نصوصه في صندوق زجاجي، وإنما  جعلها مفتوحة  على التفكيك والتجريب  والتشظي.

في إطار الدورة الرابعة للمهرجان الوطني للمسرح التونسي "مواسم الإبداع"، تم إنتاج عرض "حدث إدريس قال" تكريما للمخرج والممثل المسرحي محمد إدريس. وفي قصر المسرح  بالحلفاوين الذي يحفظ ذاكرة إدريس وخطاه وصوته ... حدثنا المخرج الطاهرعيسى بن العربي  عن سيرة هذا المسرحي المبدع من خلال رؤية فنية  قريبة من  فلسفته في الإخراج والأداء ، ومن مفهوم "المعرفة المرحة" في مسرحه...

التشظّي لغة...  وتحيّة منفلتة من القيود

منذ البداية، علينا أن نكون على علم بأنّ المسرح لا يبدأ دائما من فاتحة الأبجديات  ولا استهلال الكلاسيكيات، ولا يحتاج دوما إلى فصول حكاية مكتملة وإلى شخصيات تسير في خط مستقيم نحو نهايات متوقعه. أحيانا يكون التفكك نفسه هو الحكاية، ويصبح التشظّي طريقة لفهم عالم فقد تماسكه وخارت أسسه، وتبعثرت فيه الذاكرة والهوية والعلاقات الإنسانية. من هذا المنطلق يمكن مقاربة «حدث إدريس قال» للمخرج طاهر عيسى بن العربي من زاوية مسرح التشظّي، بوصفه خيارا جماليا ورؤية إخراجية  تتجاوز البناء التقليدي للعرض.

يحمل عنوان العرض «حدث إدريس قال»، أكثر من دلالة ورمزية. فقد كتب محمود المسعدي "حدث أبو هريرة قال" وأخرجها للمسرح محمد إدريس.  ولما صرخ المسعدي في وجه الجسد المتأهب للركح «هذا ليس نصّا! رافضا مسرحته»، لم يكن يدرك أنه كان يوقد شرارة التشظي الكبرى في مسرح محمد إدريس، فالتصق العنوان بالبتر، وأعاد  المخرج  النص إلى الركح في صيغة أخرى تحت عنوان "النص المحذوف". وقد  استلهم الطاهر عيسى بن العربي من هذه الحكاية الفلسفة والقدرة على التكيف مع الظرف  ليحفر بالضوء والصوت على خشبة الحلفاوين عرضا أدائيا يؤكد فيه من وراء عتمة الكواليس أنه حين يُرفض النص، يولد المسرح.. وحين يُكسر القلم، ينطق الجسد شظايا...  لذلك ابتعد مخرج «حدث إدريس قال»  عن ترتيب مسرحيات  محمد إدريس وفق تسلسل زمني وحكي خطي، واختار في المقابل استدعاء الذاكرة من شظاياها وإعادة تركيب تجربة محمد إدريس عبر نصوصه وأفكاره وما تركه من أثر في الفنانين والتقنيين الذين تقاسموا معه الخشبة.

إدريس قال... فتمرّد المسرح على الركح

لم  يتعامل العرض مع الإرث الثري لمحمد إدريس بوصفه  إرثا مقدسا لا يمكن المساس به . ولأن المسرح هو الفن الحي المتجدد فقد اتخذ  المخرج الطاهر عيسى بن العربي من مسرحيات أخرجها أو ساهم في تأليفها محمد إدريس على غرار: راجل ومرا وحيّ المعلم والمتشعبطون وغسّالة النوادر ومراد الثالث أوثيلو أو نجمة النهار والعرس....  مادة حية قابلة للبعث من جديد كطائر الفينق في تجدد للنص والروح والظهور الركحي. ما بين كتابة المخرج ونصوص إدريس وارتجالات الممثلين في لمسة وفاء،  تخلى  العرض عن الأحادية السردية لينتصر إلى توزيع السرد والركح  بين أصوات متعددة وأدوار  متنوعة أداها كل من البشير الغرياني  ونادرة التومي  وعبد القادر بن سعيد  وناجي الخذراوي ومتكوني الدفعة الثانية عشرة لمدرسة الممثل للمسرح الوطني.

يؤكد  هذا  التوقيع  الجماعي في الأداء، والانسجام والتناغم بين جيل عاصر محمد إدريس واشتغل معه وبين جيل صاعد من الممثلين  أن  محمد إدريس كان مدرسة  قائمة بذاتها وليس مجرد تجربة فردية. أثمرت الإدارة الفنية للطاهر عيسى بن العربي لعرض "حدث إدريس قال"  تحية  فنية وإنسانية مؤثرة لم تنفصل  عن جماليات "المُعلم" محمد إدريس. وحتى الموسيقى التي أبدعها هيثم الحضيري وقصي العربي السنوسي فقد مثلت رجع  صدى لهواجس إدريس المسرحية التي طالما زاوجت بين الشجن الإنساني والعمق الفكري .

كما أن وقوف الجيل الجديد من متكوني مدرسة الممثل، وهم : نورهان جعفر  وحمزة الرزقي ويوسف مرزوق  وسلمى العش ورمزي حسني ومحمد علي مقديش ودينا الوسلاتي وأيمن سعد ونور الإسلام الشطي ومرتضى شلبي وأزهار الرياحي ، جنبا إلى جنب مع أسماء مسرحية  راسخة  يترجم أسمى معاني الوفاء. فالتكريم الحقيقي لمسرحي كبير لا يعني تكرار طريقته أو استنساخ أسلوبه أو ارتداء جلبابه، إنما  تمرير مشعله لأجيال تقرأ نصوصه  ومسرحه بعيون جديدة وأدوات تعبيرية معاصرة.

جماليات الجسد والرقص على حدود الذاكرة

في مسرح محمد إدريس، طالما كان الجسد حاملا وحمّالا  لمعنى وجودي عميق. وقد التقط عرض "حدث إدريس قال" هذه الإشارة الفلسفية. فاشتغل على سينوغرافيا تقطع مع الواقعية السطحية حيث تقاطعت إضاءة كمال السحبابي وتقنيات فيديو عادل الشعباني لترسم حدود عوالم آسرة وغامرة. هي عوالم  قد تشبه  أو قد تتقاطع مع مغامرة  إدريس  الكبرى طوال مسيرته مخرجا وممثلا وكاتبا ومؤسسا لمدرسة السيرك المسرحي.

وقد أتاح مسرح التشظّي للشخصيات النجاة من فخ  البورتريه الجاهز، والبحث عن الحياة  في شذرات  متناثرة من المقاطع والذكريات والإشارات، تتولى الأجساد والأصوات إعادة وصلها. وبدوره، يصبح المتفرج شريكا في تركيب المعنى واقتفاء أثر القصة وتحريك خيوط اللعبة.

من محاسن  "حدث إدريس قال"  التي لا يختلف فيها متفرجان ولا اثنان حتى من العابرين أمام قصر المسرح في الحلفاوين، أنّ  العرض قطع  مع ثقافة "الاعتراف المؤجل" في المجتمعات العربية التي تترجم قول محمود درويش "يريدونني أن أموت لكي يمدحوني". فقد اختار المسرح الوطني  التمرد  على هذا هذا العرف الجنائزي ليمنح الفنان صكّ الاعتراف وهو لا يزال يتنفس المسرح برئة الشغف والشباب  وإن شاخ الجسد وثقل اللسان. وقد نجح المخرج الطاهر عيسى بن العربي  في تحويل خشبة التكريم إلى مرآة مواجهة. فبدلا من أن يظل المبدع ضحية "الأبواب الموصدة" والطرد  الرمزي من حقل العطاء، أعاد له العرض اعتباره الإنساني والجمالي في آن واحد. ليتحول الثناء من طقس وفاء بارد إلى طاقة حياة متجددة  تثبت أن قيمة الإبداع  والمبدع لا تنتهي بتوقف التصفيق  والنزول عن الركح ، ولا حتى حين يوارب الموت الستار.

المشاركة في هذا المقال